حلقات توعوية فقهية فلكية حول الأهلة، للوقوف على مكمن الخلل بين الفقهاء والفلكيين.(1)

بعد أن حصل اللغط حول هلال شوال 1446هـ، وانقسام الدول الإسلامية إلى قسمين، منهم من كان عيده الأحد 30 مارس، ومنهم من كان عيده الاثنين 31 مارس، وكثر التساؤل عن العيد في أي اليومين هو؟ لا سيما والأمر يتكرر كل عام تقريباً.
أحببت أن أكتب هذه المقالة التي أسأل الله تعالى أن تلقى قبولاً عنده، وأن تشكل وعياً فقهياً وفلكياًَ في المجتمع المسلم.
وقبل البدء لابد من تقرير النقاط التالية والتي لابد منها كمدخل لهذه المقالة:
- النقطة الأولى: إن الحديث عن الهلال أو التقويم القمري لا يصح أن يكون إلا ممن عرف حساب سير القمر، ودورانه حول الأرض واقتران الكواكب الثلاثة وغير ذلك من التفاصيل في هذا الفن، وهؤلاء هم علماء الفلك.
- النقطة الثانية: إن ربط الأحكام الشرعية بحركة القمر وسيره لا يصح أن يكون، إلا من الفقهاء الذين عرفوا الأحكام الشرعية وليس غيرهم.
- النقطة الثالثة: إن الجمع بين الفنين (علم الشريعة + علم الهلال)، ممكن ومتيسر، بل إن كثيراً من فقهاء المسلمين قديما قد جمعوا بينهما، كابن حزم والغزالي والقرافي والمارديني وغيرهم كثير.
- النقطة الرابعة: إن كثيراً من مشكلاتنا اليوم في شأن الهلال ورؤيته، ترجع لأسباب عديدة من أهمها تحدث الفقهاء فيما لا يتقنون من علم الفلك، أو تحدث الفلكيين فيما لا يحسنون من الفقه والأحكام الشرعية، فمرجت الأمور، واختلط الحق بالباطل في كثير من الأحيان، ولو أن كل فريق تحدث في فنه، وسلَّم للآخر في تخصصه لانحلت كثير من المشكلات، واتضحت العديد من المعضلات.
بعد النقاط الأربع التي ذكرتها سابقا والتي لا أخال أحدا يخالف فيها، نريد أن نلج في شأن الهلال وما أثير ويثار كل عام حوله، ولكن لابد من التنبيه على بعض الأخطاء الشائعة والتي تعد من المسلمات عند بعض الفقهاء، بينما هي أخطاء فادحة:
الخطأ الأول: (الحساب الفلكي ليس دقيقاً)
وهذا خطأ فادح عند من يتصوره، وهو ناشئ عن عدم إلمام بواقع الحساب الفلكي، وهنا لابد من معرفة أن الحساب الفلكي دل عليه القرآن الكريم، وآياته صريحة في جريان الشمس والقمر بحسبان وحساب دقيق، وأن القمر له منازل مقدرة محسوبة، وإليك بعض الآيات معرضا عن الاستقصاء أو التفسير لها طلبا للاختصار:
قال تعالى: ﴿فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 96﴾ [الأنعام: 96]، وهنا لابد من ملاحظة قوله تعالى: (حسباناً)، وهو مصدر الحساب، وما يكتنف التعبير بالمصدر من قوة تزيد على التعبير بالفعل، وقوله تعالى: (ذلك تقدير)، والتقدير ينفي الصدفة أو الاتفاق، بل جريانهما بتقدير مراد مقصود له سبحانه. بمعنى أنها تجري بحساب مقدر معلوم. وقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 5 ﴾ [يونس: 5]، فقوله تعالى: (لتعلموا عدد السنين والحساب)، اللام هنا للتعليل ، فتبعاً لتغير هذه المواقع تتغيَّر صورته الّتي نراه عليها خلال الشهر (أوله، وسطه، آخره)، والتقدير الشهري يكون بالقمر، والتقدير اليومي يكون بالشمس، أما قوله تعالى: (يفصل الآيات لقوم يعلمون)، أي أن هذا التفصيل والبيان يحتاج لفقه وفهم حتى نتحصل على الثمرة وهي العلم. ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا 12 ﴾ [الإسراء: 12]
فهذا الآيات وغيرها دالة دلالة واضحة على أن الشمس والقمر والأرض كلها تجري بحساب دقيق، وأنه مقصود وأن ذلك كله لنتعلم عدد السنين والحساب، وأن مناط ذلك متوقف على التعلم والفهم.
ومع تسليم جميع المسلمين بما دلت عليه تلك الآيات، إلا أن بعض الفقهاء يزعم أن شأن الهلال يختلف، ويستدلون بما لا طائل تحته.
بل إن بعض الفقهاء يذهب أبعد من ذلك ، فمن خلال محاورتي للعديد منهم ، ومعرفتي بهم خلال مسيرتي التعليمية ولأنني ممن تعلم على أيدي العشرات منهم، وجدت الكثير منهم غير متصور أن علم الفلك المعاصر قد وصل اليوم إلى دقة أقل ما يقال عنها (مهولة) بل إن نسبة الخطأ فيه يقدرها أهل الاختصاص أنها يمكن أن تصل إلى ما نسبته 1/100000 في الثانية، وأن هذا الفن أصبح له كليات وأقسام في الجامعات العالمية وهي تتطور باستمرار.
وفي ظل هذا التطور ما يزال العديد من فقهائنا يسم هذا العلم بالتنجيم ، ويحذر منه ويجعل الحديث عنه نوعا من التنجيم المحرم. وهذا بلا شك تقصير كبير في فهم الفقيه لواقعه، مما يجعله ينزل الأحكام على غير محل. فكيف تريد ممن هذا حاله أن يسلم لك بالحساب الفلكي، أو تجعله يستفيد منه على أقل تقدير؟!!
* باحث فلكي يمني مقيم في الكويت